السيد محمد الصدر

596

تاريخ الغيبة الصغرى

الخصيصة الخامسة : طول المدة لبقاء المجتمع المعصوم . حيث سبق في ( تاريخ ما بعد الظهور ) ان برهنا على أن المدة المتخللة من تأسيس الدولة العالمية إلى فناء البشرية مدة طويلة جدا تفوق المدة السابقة عليها بكثير . وكان السبب الرئيسي للالتزام بذلك ، هو أن البشرية عاشت الآلام والويلات آلافا من السنين مقدمة لوجود مستقبلها الموعود ، المتمثل بالدولة العالمية وما بعدها . فليس من المعقول أن يوجد ذلك المستقبل لفترة قصيرة من الزمن ، بحيث تكون آلام البشرية أكثر من سعادتها ، أو أن أجيالا ضخمة من الناس يضحّى بها في سبيل عدد قليل من الأجيال ، ان هذا غير حسن في الحكمة الإلهية بكل تأكيد . بل ولا يحسن أن تكون السعادة بمقدار الآلام . ان هذه التضحية لا تصح إلا إذا كانت السعادة أضخم بكثير من الآلام ، بحيث تصدق عليها فكرة : التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة . وتكون الأجيال السابقة على الدولة العالمية بالرغم من كثرتها ، قليلة بمنزلة المصلحة الخاصة والأجيال اللاحقة لها كثيرة بمنزلة المصلحة العامة ، لكي تكون التضحية بالأجيال البشرية معقولة ومنطقية . فإذا عرفنا أن الحكمة الأزلية المخططة للبشرية كمالها ، لا تختار إلا الأفضل دائما ، ولا يمكن أن تختار ظلما أو قبيحا . . . يتبرهن أن تكون البشرية اللاحقة للدولة العالمية ، مارّة بالمجتمع المعصوم ، أطول عمرا مما قبلها بأضعاف كثيرة ، لا أقل من عشرة « 1 » . فإذا أضفنا إلى ذلك مشاركة المجتمع المعصوم في البناء الكوني العام وتخطيطه وأهدافه ، والبناء الكوني عادة بطيء الانتاج طويل الأناة . . . إذن

--> ( 1 ) كما يمكن ملاحظة البشرية السابقة من أولها إلى ابتداء الدولة العالمية . . . كذلك يمكن ملاحظتها من أول وعيها إلى تلك الدولة ، إسقاطا لفترة ما قبل الوعي عن الاعتبار لقلة أهميتها . ومن المسلم علميا إلى جنب التسالم الديني ان فترة الوعي إلى الآن لا تزيد على حوالي الخمسة آلاف سنة ، وقد لا تحتاج إلى ابتداء الدولة العالمية إلى إضافة ألف آخر . ومن هنا يمكن أن يكتفي في تحديد فترة التخطيطين الرابع والخامس . بخمسين ألف سنة . وأما إذا أخذنا بالفهم العلمي الحديث من أن فترة ما قبل الوعي تستمر عدة ملايين من السنين قد تصل إلى عشرات الملايين ، وأخذنا هذه الفترة بنظر الاعتبار في أخذ النسبة . إذن ، يلزم القول ببقاء المجتمع المعصوم عدة مئات من ملايين السنين . وليس هذا التحديد مهما بعد الالتفات إلى حقيقتين ، الأولى : ان التخطيطات بطبيعتها لا تتحد بالزمان . والثانية : ان فترة الدولة العالمية والمجتمع المعصوم سيواكب البشرية إلى حدود فنائها سواء طال عمرها أم قصر .